ابن أبي الحديد

75

شرح نهج البلاغة

( إنك من خير ذي يمن ) ( 1 ) ، ائت معاوية بكتابي ، فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون ، وإلا فانبذ ( 2 ) إليه وأعلمه أنى لا أرضى به أميرا ، وأن العامة لا ترضى به خليفة . فانطلق جرير حتى أتى الشام ، ونزل بمعاوية ، فلما دخل عليه حمد الله وأثنى عليه ، وقال : أما بعد يا معاوية ، فإنه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين ، وأهل المصرين ، وأهل الحجاز ، وأهل اليمن ، وأهل مصر ، وأهل العروض - والعروض عمان - وأهل البحرين واليمامة ، فلم يبق إلا هذه الحصون التي أنت فيها ، لو سال عليها سيل من أوديته غرقها ، وقد أتيتك أدعوك إلى ما يرشدك ويهديك إلى مبايعة هذا الرجل . ودفع إليه كتاب علي عليه السلام ، وفيه : أما بعد ، فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام ، لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان ، على ما بويعوا عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يرد ، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار ، إذا اجتمعوا على رجل فسموه ( 3 ) إماما ، كان ذلك لله رضا ، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردوه إلى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على اتباع سبيل المؤمنين ، وولاه الله ما تولى ، ويصليه جهنم وساءت مصيرا . وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي ، فكان نقضهما كردتهما ، فجاهدتهما على ذلك ، حتى جاء الحق ، وظهر أمر الله وهم كارهون . فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، فإن أحب الأمور إلى فيك العافية ، إلا أن تتعرض للبلاء ، فإن تعرضت له قاتلتك ، واستعنت بالله عليك . وقد أكثرت في قتله عثمان ، فادخل فيما دخل فيه الناس ، ثم حاكم القوم إلى أحملك

--> ( 1 ) أي من خير أهل اليمن . ( 2 ) فانبذ إليه ، في اللسان : ( المنابذة : أن يكون بين فريقين مختلفين عهد وهدنة بعد القتال ، ثم أرادا نقض ذلك العهد ، فينبذ كل فريق منهما إلى صاحبه العهد الذي تهادنا عليه ، ومنه قوله تعالى : ( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ) . ( 3 ) ب : ( وسموه ) .